فوزي آل سيف

153

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

الدين والتقى وسيد من تقمص وارتدى، بعل بنت المصطفى وأفضل من صام وصلّى وأفخر من ضحك وبكى، صاحب القبلتين، فهل يساويه مخلوق كان أو يكون؟ كان كالأسد مقاتلاً، ولهم في الحرب حاملاً، على مبغضيه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلى يوم التناد([73]). لقد عيّن بشكل واضح مسيره، فعرف صديقه وعرف عدوّه، وكانت تلك المعرفة عميقة، لذلك كان مستعدا في أي وقت لتوضيحها لغيره ولم يكن يخاف- كغيره- سطوة الحكم، لذلك ما كان يخلو مجلس يحضره وفيه أحد من مؤيدي الحكم الأموي إلاً وكان يتحول إلى مجلس مناظره وكنا قد أشرنا إلى أن هذه المناظرات لم تكن ترفاً، بل كانت تدعيماً لنظرية، وإبطالاً لأخرى، في وقت كان يحرك المسلمين الفكر، فحتى الذين لم يكونوا يمتلكون نظرية حقة، كانوا يحاولون أن يدعموا باطلهم بأدلة، يخفى بطلانها على العامة. وإذا كان عمرو بن العاص قد باع دينه في سبيل دنيا زائلة، فقد رتع فيها حتى شبع، وآن الأوان لكي يتقيأ ما بلع، فقد وصل به العمر نهايته، وها هو في مرضه الأخير، وابن عباس يدخل عليه، مسلماً: - كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟!. فقال عمرو: أصبحت وقد أصلحت من دنياي قليلاً وأفسدت من ديني كثيراً فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت والذي أفسدت هو الذي أصلحت، فزت. ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت ولو كان ينجيني الهرب هربت، فقد صرت كالمنخنق بين السماء والأرض لا أرقى بيدين ولا أهبط برجلين فعظني بعظة أنتفع بها يا ابن أخي!!. الغريب أن الإنسان عندما يمد لنفسه في حبل الغي لا ينتبه إلاً حين يكون الوقت قد انتهى، وقطار التوبة قد غادر

--> 73 ) عوالم العلوم 16/ 245